مدة القراءة التقريبية: ٥ دقائق
في هذا المقال
- صلة التسويف بالتوتر وتقدير الذات.
- دور النقد القاسي للنفس في تجربة التأجيل.
- خطوات واقعية تساعد على البدء وتخفيف العبء.
مقدمة
قد تؤجل مهمة عمل، أو اتصالًا مهمًا، أو خطوة كنت تنوي البدء بها، ثم تجد أن التفكير فيها صار أثقل من المهمة نفسها. ومع تكرار التأجيل، قد يرافقك التوتر أو الشعور بالذنب أو الشك في قدرتك على الإنجاز. وتختلف أسباب هذه التجربة؛ فقد تتصل بمشاعرك تجاه المهمة، أو بصعوبة تنظيمها، أو بالضغوط التي تواجهها. يساعدنا النظر إلى هذه التفاصيل على فهم أثر التسويف في تقدير الذات والصحة النفسية، والتفكير في طرق عملية للتعامل معه. وهذا ما يتناوله المقال، مع الاهتمام بما يجعل البداية ممكنة وبالطريقة التي نعامل بها أنفسنا حين نتعثر.
التسويف وتجنّب المشاعر غير المريحة
قد يبدو التأجيل من الخارج مجرد امتناع عن العمل، لكن وصفه بالكسل لا يفسّر ما يمرّ به الشخص. يعرض سيروا وبيتشل في بحثهما عام ٢٠١٣ تفسيرًا يرى أن بعض التسويف يرتبط بإعطاء الأولوية لتحسين المزاج الآن، على حساب الهدف الذي نريد إنجازه لاحقًا. لا يختزل هذا التفسير جميع الأسباب؛ فوضوح المهمة والوقت والطاقة والمهارات والظروف المحيطة تؤثر أيضًا في القدرة على البدء. لذلك يفيد أن نسأل عمّا يجعل مهمة بعينها صعبة، بدل إصدار حكم شامل على شخصيتنا.
لنتخيّل طالبًا يريد كتابة بحث، لكنه يقلق من أن تكون مسودته الأولى أقل من المستوى الذي يتوقعه من نفسه. قد يفتح هاتفه فيشعر براحة قصيرة، بينما يبقى البحث حاضرًا في ذهنه. ومع اقتراب الموعد، يصبح أمامه وقت أقل للعمل ومزيد من القلق بشأن النتيجة. لا يعني ذلك أنه اختار هذه الدائرة عمدًا أو أنه لا يهتم بالدراسة. لكنه يوضح كيف يمكن أن يمنحنا التأجيل راحة مؤقتة، مع إبقاء ما يقلقنا دون معالجة.
حين تتحول المهمة المؤجلة إلى حكم على الذات
ترتبط نزعة التسويف في أبحاث سيروا عام ٢٠١٤ بمستويات أعلى من التوتر ومستويات أقل من التعاطف مع الذات. هذه علاقة بحثية لا تثبت أن التسويف وحده يسبب الضيق، ولا أن اللطف مع النفس يكفي لعلاجه. لكنها تلفت الانتباه إلى طريقة تعاملنا مع أنفسنا حين نتأخر. فقد تختلف تجربة من يقول «لم أبدأ هذه المهمة بعد» عن تجربة من يستنتج «أنا عاجز عن الالتزام بأي شيء».
الجملة الأولى تصف سلوكًا يمكن فهمه وتعديله، بينما توسّع الثانية الموقف إلى حكم على القيمة الشخصية. وإذا تكرر هذا الحكم، قد تصبح العودة إلى المهمة مواجهة إضافية مع الخجل أو الإحباط. يمكنك أن تعترف بما سببه التأجيل من مشكلة، وأن تتحمل مسؤولية إصلاح ما تستطيع، دون تحويله إلى تعريف ثابت لنفسك. ربما تحتاج إلى الاعتذار عن تأخير، أو الاتفاق على موعد واقعي، أو طلب توضيح لما هو مطلوب. هذه خطوات محددة تتيح التعامل مع الموقف بصورة أوضح من تكرار لوم لا يقود إلى فعل.
الراحة الآنية والنتائج التي نؤجلها
عندما تكون كلفة البدء واضحة الآن بينما تبدو فائدته بعيدة، قد يصبح النشاط الأسهل أكثر إغراءً. يظهر ذلك مثلًا حين نختار مشاهدة مقطع قصير بدل فتح ملف يرتبط بمهمة مربكة. لكن المشكلة لا تُفسَّر بوجود جزء «كسول» في الدماغ، ولا يحتاج فهمها إلى عبارات عن إعادة برمجة الجهاز العصبي. يمكننا الاقتراب منها عبر ملاحظة ما يحدث فعلًا: ما الشعور الذي أحاول تجنّبه؟ وما الخطوة التي تبدو أكبر من قدرتي الحالية؟
ومن المهم التمييز بين التسويف والتأجيل الذي يخدم حاجة واقعية. قد يكون النوم أو التعافي من المرض أو انتظار معلومات ضرورية سببًا مناسبًا لتغيير الموعد. أما حين نؤجل مرارًا رغم توقع ضرر التأجيل، فربما نحتاج إلى تعديل طريقة التعامل مع المهمة. اسأل نفسك إن كانت الاستراحة ستساعدك على العودة، وهل حددت متى وكيف ستعود. يساعد هذا السؤال على احترام حدود طاقتك، مع إبقاء مسؤولياتك واضحة.
التسامح مع الذات مع تحمّل المسؤولية
في دراسة نشرها وول وبيتشل وبينيت عام ٢٠١٠، ارتبط تسامح الطلاب مع أنفسهم بشأن تسويف الاستعداد لاختبار بتسويف أقل قبل اختبار لاحق. لا تعني النتيجة أن التسامح علاج مضمون، لكنها تتيح التفكير في استجابة أقل عقابًا للتأخر. والتسامح مع الذات يختلف عن إنكار المشكلة: يمكن أن نعترف بأننا أخطأنا في تقدير الوقت، ثم نتخذ خطوة لتغيير ما حدث. الأهم أن يتصل هذا الموقف بخطة عملية، بدل أن يصبح وعدًا عامًا بأننا سنفعل كل شيء غدًا.
قد تقول لنفسك: «أجّلت المهمة، وأشعر بالضيق بسبب ذلك. سأراجع المطلوب وأبدأ بالجزء الأول اليوم». تجمع هذه العبارة بين الاعتراف واللطف والالتزام بفعل محدد. وإذا كان السبب نقص مهارة أو عبئًا يفوق طاقتك، فقد تكون الخطوة المناسبة طلب المساعدة أو إعادة التفاوض على المطلوب. لا يحتاج التعاطف مع الذات إلى إنكار العواقب، بل إلى التعامل معها بطريقة تساعدك على التحرك.
خطوات عملية لتخفيف العبء والبدء
اختر مهمة واحدة، ثم اكتب أصغر خطوة تجعلها قابلة للبدء: فتح الملف، أو تحديد السؤال الأول، أو جمع المستندات المطلوبة. يمكنك تجربة العمل لخمس دقائق كي تتعرف إلى ما تحتاجه، دون اعتبار هذه المدة وصفة مضمونة. بعد ذلك، لاحظ إن كان الاستمرار ممكنًا أو إن كنت بحاجة إلى توضيح أو استراحة. حدد وقتًا واقعيًا للعودة، وأبعد المقاطعات التي تعرف أنها تسحب انتباهك. الغاية هي جعل الخطة واضحة بما يكفي لتجربتها وتعديلها.
وعندما تتعثر، راجع الظروف بدل الاكتفاء بتشديد النقد. هل كانت الخطوة أكبر مما توقعت؟ هل لم تتوافر المعلومات؟ أم أنك تعمل دون راحة كافية؟ قد تساعدك الإجابات على تعديل الخطة، وقد تكشف عن حاجة إلى دعم أوسع. وإذا استمر التأجيل وأثّر بوضوح في دراستك أو عملك أو صحتك، يمكن أن يساعد مختص على فهم العوامل المرتبطة به. التعامل مع التسويف يبدأ بفهم ما يحدث وبخطوات تناسب الواقع الذي تعيشه.
اقرأ أيضًا
فهم التسويف: كيف يؤثر الخوف والتجنّب والتعاطف مع الذات في سلوكنا؟
المراجع
- Sirois, F. M. (2014). Procrastination and stress: Exploring the role of self-compassion.
- Sirois, F., & Pychyl, T. (2013). Procrastination and the priority of short-term mood regulation: Consequences for future self.
- Wohl, M. J. A., Pychyl, T. A., & Bennett, S. H. (2010). I forgive myself, now I can study.
