وداعًا للتسويف المزمن: كيف يساعدك التعاطف مع الذات على التغلب عليه؟
مسار السعادة الخامس: الإنجاز وتحقيق الأهداف

وداعًا للتسويف المزمن: كيف يساعدك التعاطف مع الذات على التغلب عليه؟


مدة القراءة: ٧ دقائق

ماذا ستتعلّم في هذا المقال؟

بنهاية هذا المقال، ستكون قد تعرّفت على:

  • لماذا قد يرتبط التسويف بالمشاعر غير المريحة والنقد الذاتي القاسي.

  • كيف يمكن للشعور بالذنب والخجل والأحكام السلبية على الذات أن تسهم في تكرار تجنّب المهام.

  • ما المقصود بالتعاطف مع الذات، ولماذا يختلف عن تدليل النفس أو التهرّب من المسؤولية.

  • ما الذي تشير إليه الأبحاث النفسية بشأن مسامحة الذات والتعاطف معها وعلاقتهما بالتسويف.

  • كيف يمكن الجمع بين تحمّل المسؤولية بتعاطف، والخطوات القابلة للتنفيذ، والتوقعات الواقعية.

لديك مهمة مهمة ينبغي إنجازها، وتعلم أن تأجيلها سيجعل الأيام المقبلة أكثر صعوبة. ومع ذلك، فبدلًا من البدء بها، تجد نفسك ترتّب مكتبك، أو تحضّر شيئًا لتأكله، أو تتفقّد رسائلك، أو توجّه انتباهك نحو مسؤوليات تبدو أقل صعوبة. ويمنحك كل نشاط شعورًا مؤقتًا بالراحة، إذ يتيح لك تجنّب الانزعاج المرتبط بالمهمة الأصلية. لكنك تعود في النهاية إلى العمل غير المنجز، وقد أصبح الوقت المتاح أقل، بينما يتزايد إحباطك لأنك أجّلته مرة أخرى.

وقد تكون الاستجابة التي تلي التأجيل مهمة بقدر أهمية التأجيل نفسه. فبعض الأشخاص يتعاملون مع التسويف بنقد ذاتي قاسٍ، ويصفون أنفسهم بالكسل أو العجز أو الافتقار إلى الانضباط. وقد يعتقدون أن الغضب من أنفسهم سيولّد ضغطًا كافيًا يدفعهم إلى تغيير سلوكهم. لكن عندما تكون المهمة مرتبطة أصلًا بالقلق أو عدم اليقين أو الخوف من الفشل، فقد تجعل مشاعر الخجل الإضافية العودة إليها أكثر صعوبة من الناحية العاطفية.

ويقدّم التعاطف مع الذات (Self-Compassion) أسلوبًا نفسيًا مختلفًا، يقوم على القدرة على التعامل مع الصعوبات الشخصية بتفهّم، مع الاستمرار في تحمّل المسؤولية عن اختياراتنا. ولا يلغي التعاطف مع الذات المواعيد النهائية، أو يبرّر كل تأجيل، أو يضمن اختفاء التسويف. لكنه قد يساعد على تخفيف الضيق النفسي غير الضروري الذي نوجّهه نحو أنفسنا، ويفسح مجالًا أكبر لاتخاذ خطوات بنّاءة. ويساعدنا فهم هذه العلاقة على النظر في التسويف دون تحويل كل مسؤولية مؤجّلة إلى حكم على قيمتنا الشخصية.

لماذا يتحوّل التسويف غالبًا إلى مشكلة عاطفية؟

يرتبط التسويف في أذهان الكثيرين بسوء إدارة الوقت، لكن الأبحاث النفسية تشير إلى أن العمليات العاطفية قد تؤدي دورًا مهمًا فيه. فقد تثير المهام التي تتضمن عدم اليقين أو الملل أو توقّع الانتقاد أو الخوف من الفشل شعورًا بالانزعاج حتى قبل البدء بالعمل. وقد يؤدي تجنّب النشاط إلى تحسين الحالة العاطفية بصورة مؤقتة، مما يجعل البدائل الأقل تطلبًا أكثر جاذبية. وقد تعزّز هذه الفائدة العاطفية الفورية سلوك التأجيل، حتى عندما تكون عواقبه طويلة المدى غير مرغوبة.

وقد تناول عالما النفس تيموثي بيتشل (Timothy Pychyl) وفوشيا سيرويس (Fuschia Sirois) التسويف من منظور تنظيم المزاج على المدى القصير (Short-Term Mood Regulation). ويقترح عملهما أن الأشخاص قد يمنحون الأولوية للهروب من المشاعر غير المريحة المرتبطة بالمهمة، بدلًا من السعي إلى تحقيق أهداف تظهر فوائدها في المستقبل. ويساعد ذلك على تفسير كيف يمكن لشخص أن يقدّر إنجاز مسؤولية معينة بصدق، لكنه يواجه صعوبة متكررة في البدء بها. فالمشكلة ليست بالضرورة عدم الاهتمام بالنتيجة، بل الانزعاج العاطفي المرتبط بمواجهة المهمة.

لنتخيّل شخصًا يستعد لتقديم عرض مهم في العمل. فقد يشعر بالقلق من أن ينتقد زملاؤه أفكاره، أو ألا يرقى أداؤه إلى مستوى التوقعات. وبدلًا من مواجهة هذه المخاوف، يبدأ بترتيب الأوراق أو الرد على رسائل يمكن تأجيلها دون مشكلة. وتمنحه هذه الأنشطة شعورًا بأنه منتج، بينما تؤخّر المسؤولية التي تتطلب منه جهدًا عاطفيًا أكبر. ومع اقتراب موعد العرض، يتناقص الوقت المتاح للاستعداد، مما قد يزيد شدة القلق الذي أسهم أصلًا في التجنّب.

ورغم أن هذه العملية لا تفسّر جميع حالات التسويف، فإنها توضح لماذا لا تكون زيادة الضغط كافية دائمًا. فقد يكون الشخص مدركًا تمامًا أهمية المهمة، ويشعر بقلق كبير بشأن إنجازها. وقد تصبح طريقة تعامله مع التأجيل بعد حدوثه، ولا سيما كيفية تفسير سلوكه والحكم عليه، عاملًا إضافيًا يؤثر في استعداده للعودة إلى العمل.

الكلفة الخفية للنقد الذاتي القاسي

قد يؤدي إدراكنا أننا أجّلنا أمرًا مهمًا إلى الشعور بخيبة الأمل أو الذنب. وهذه المشاعر ليست بالضرورة ضارة، لأن الاعتراف بأن سلوكنا تعارض مع نوايانا قد يشجّعنا على مراجعة ما حدث. لكن الصعوبات تصبح أكثر احتمالًا عندما يتحوّل هذا الإدراك إلى نقد ذاتي مستمر وشامل. فبدلًا من التركيز على المسؤولية المؤجّلة، يبدأ الشخص بتفسير التجربة بوصفها دليلًا على قصوره الشخصي.

وغالبًا ما يميّز علماء النفس بين الشعور بالذنب والشعور بالخجل، رغم احتمال تداخل التجربتين. فالذنب يتعلق عمومًا بسلوك محدد، مثل الندم على عدم إنجاز مهمة في الوقت المحدد. أما الخجل، فقد يتضمن تقييمًا سلبيًا أوسع للذات، يدفع الشخص إلى الاستنتاج أن تأجيل المهمة يثبت أنه غير كفء أو يفتقر إلى الانضباط بطبيعته.

ويكتسب هذا التمييز أهمية لأن تقييم السلوك قد يوفّر معلومات مفيدة، بينما قد تزيد إدانة الذات بأكملها من الضيق النفسي دون توضيح ما ينبغي تغييره.

لنتخيّل طالبًا فوّت جلسة دراسية كان قد خطط لها. فقد يدفعه إدراك أن التأجيل قلّص وقت الاستعداد إلى وضع خطة أكثر واقعية. لكن تكرار أفكار مثل «أنا لا ألتزم أبدًا بما أخطط له» أو «أنا عاجز عن إنجاز أي شيء بصورة صحيحة» قد يجعل الجلسة الدراسية التالية تبدو اختبارًا جديدًا لقيمته الشخصية.

وعندئذ، لا يصبح الطالب مضطرًا إلى مواجهة المسؤولية الدراسية فحسب، بل أيضًا احتمال تأكيد اعتقاد مؤلم يحمله عن نفسه. وفي بعض الظروف، قد يسهم هذا العبء العاطفي الإضافي في مزيد من التجنّب.

ويُخلط أحيانًا بين النقد الذاتي القاسي وتحمّل المسؤولية، لأنه يبدو دليلًا على أن الشخص يأخذ التزاماته على محمل الجد. لكن تحمّل المسؤولية لا يتطلب إهانة النفس أو الاعتقاد بأن القيمة الشخصية تعتمد على الأداء الخالي من الأخطاء.

ويمكن للاستجابة الأكثر بنائية أن تعترف بعواقب التسويف، مع دراسة العوائق العاطفية والعملية المرتبطة به. وهنا يقدّم التعاطف مع الذات طريقة مختلفة للتعامل مع الأخطاء والمسؤوليات غير المنجزة.

ما المقصود بالتعاطف مع الذات، ولماذا لا يعني تدليل النفس؟

يتضمن التعاطف مع الذات الاستجابة للمعاناة الشخصية أو أوجه القصور التي نعتقد بوجودها أو التجارب الصعبة بتفهّم، بدلًا من القسوة غير الضرورية.

ويصف الإطار النظري المؤثر لعالمة النفس كريستين نيف (Kristin Neff) ثلاثة عناصر مترابطة للتعاطف مع الذات، هي اللطف مع الذات، والإنسانية المشتركة، واليقظة الذهنية. وتقدّم هذه العناصر مجتمعةً طريقة للاعتراف بالصعوبات دون إنكارها أو الانغماس الكامل في إصدار الأحكام على الذات.

يتضمن اللطف مع الذات التعامل مع الأخطاء برعاية وتفهّم، بدلًا من الاستجابة الفورية بالنقد. أما الإنسانية المشتركة، فتتمثل في إدراك أن الانتكاسات وعدم اليقين والسلوك غير المثالي جوانب من التجربة الإنسانية، وليست أدلة على قصور شخصي فريد.

وتتضمن اليقظة الذهنية ملاحظة الضيق النفسي دون إنكار وجوده أو السماح له بالسيطرة على تفسيرنا لأنفسنا. ولا تتطلب هذه العناصر الشعور بإيجابية تجاه نتيجة غير ناجحة، بل تشجّع على بناء علاقة أكثر توازنًا مع ما حدث.

لنتخيّل شخصًا أجّل إعداد تقرير مهم. فقد تتضمن الاستجابة القائمة على التعاطف مع الذات إدراك أن المهمة بدت مرهقة، والاعتراف بأن التأجيل ترتبت عليه عواقب عملية، والتفكير فيما لا يزال ممكنًا إنجازه ضمن الوقت المتاح.

ولا يحتاج الشخص إلى التظاهر بأن التأجيل لم يتسبب في أي ضرر، أو أن التقرير لم يعد مهمًا. بل يمكنه دراسة الموقف دون إضافة نقد غير ضروري يجعل البدء أكثر صعوبة.

ومن المهم أيضًا التمييز بين التعاطف مع الذات وبعض المفاهيم المرتبطة به.

يشير تقدير الذات (Self-Esteem) عمومًا إلى الطريقة التي يقيّم بها الأشخاص قيمتهم أو قدراتهم، بينما يركّز التعاطف مع الذات على كيفية تعاملهم مع أنفسهم خلال الصعوبات.

أما مسامحة الذات (Self-Forgiveness)، فتتضمن السعي إلى التخلّص من الاستياء المفرط الموجّه نحو الذات بشأن فعل معين، غالبًا مع الاعتراف بالمسؤولية عما حدث.

وفي المقابل، قد يتضمن تدليل النفس (Self-Indulgence) إعطاء الأولوية للراحة الفورية دون مراعاة كافية للعواقب طويلة المدى.

وقد تتداخل هذه المفاهيم في التجارب اليومية، لكنها تصف عمليات نفسية مختلفة.

ويكمن الفرق الأساسي في أن التعاطف لا يتطلب التخلّي عن الأهداف. فيمكن للشخص أن يدرك أنه اتخذ قرارًا غير مناسب، ويتحمّل عواقبه، ويظل ملتزمًا بالتصرّف بطريقة مختلفة.

وبهذا المعنى، قد يوفّر التعاطف مع الذات أساسًا عاطفيًا أقل قسوة لتحمّل المسؤولية، ولا سيما عندما يصبح النقد جزءًا من نمط التسويف.

ماذا تكشف الأبحاث عن مسامحة الذات والتسويف؟

تقدّم الأبحاث بعض الأدلة على أن الطريقة التي يتعامل بها الأشخاص مع أنفسهم بعد التسويف قد ترتبط بما يحدث لاحقًا.

ففي دراسة نُشرت عام ٢٠١٠ في مجلة الفروق الفردية والشخصية (Personality and Individual Differences)، تناول علماء النفس مايكل وول (Michael Wohl) وتيموثي بيتشل (Timothy Pychyl) وشانون بينيت (Shannon Bennett) العلاقة بين مسامحة الذات والتسويف لدى ١١٩ طالبًا جامعيًا في سنتهم الأولى.

ودرس الباحثون ما إذا كانت مسامحة الشخص لنفسه على التسويف قبل امتحان معين ترتبط بمستوى التسويف الذي يختبره قبل امتحان لاحق.

ووجدت الدراسة أن الطلاب الذين أفادوا بمستويات أعلى من مسامحة الذات بشأن التسويف السابق كانوا يميلون إلى الإبلاغ عن مستويات أقل من التسويف قبل الامتحان التالي.

كما كان للمشاعر السلبية دور في العلاقة التي رُصدت، مما يشير إلى أن الاستجابات العاطفية للتأجيل السابق قد تساعد على تفسير أهمية مسامحة الذات.

ومع ذلك، لا تثبت النتائج أن مسامحة الذات تؤدي بصورة مباشرة إلى تقليل التسويف، ولا تبيّن أن العلاقة نفسها تنطبق بالدرجة ذاتها على مختلف الأعمار والمسؤوليات والظروف.

وفي دراسة ذات صلة نشرتها فوشيا سيرويس عام ٢٠١٤ في مجلة الذات والهوية (Self and Identity)، تناولت الباحثة العلاقة بين التسويف والتعاطف مع الذات والتوتر المُدرَك عبر أربع عينات بحثية.

وأظهرت النتائج أن المستويات الأعلى من التسويف ارتبطت بمستويات أقل من التعاطف مع الذات، ومستويات أعلى من التوتر المُدرَك.

وتسهم هذه الأبحاث في فهم الأسباب التي قد تجعل التسويف مصحوبًا بضيق نفسي كبير يوجّهه الشخص نحو نفسه، رغم أن الارتباطات المرصودة لا تثبت أن زيادة التعاطف مع الذات وحدها ستؤدي بصورة موثوقة إلى تغيير السلوك.

وتتناول هذه الدراسات عمليات نفسية مترابطة لكنها مختلفة. فمسامحة الذات تتعلق باستجابة الشخص لفعل محدد في الماضي، بينما يصف التعاطف مع الذات طريقة أوسع في التعامل مع الصعوبات الشخصية.

وقد يكون كلاهما مهمًا عندما يصبح التسويف مرتبطًا بالشعور بالذنب أو الخجل أو الإحباط. ومع ذلك، لا ينبغي التعامل مع أي منهما بوصفه تفسيرًا كاملًا للتسويف أو وسيلة مضمونة للتغلب عليه.

وتشير هذه النتائج عمومًا إلى أن تقليل العقاب العاطفي غير الضروري قد يساعد بعض الأشخاص على التعامل مع المسؤوليات المؤجّلة بصورة أكثر بنائية.

فبدلًا من الانشغال المتزايد بما يفترضون أن التأجيل يكشفه عن شخصياتهم، قد يجدون مساحة أكبر لدراسة ما حدث وما يمكن فعله بصورة واقعية بعد ذلك.

خطوات عملية بتعاطف: كيف تبدأ دون معاقبة نفسك؟

يصبح التعاطف مع الذات مفيدًا بصورة خاصة عندما يرتبط بخطوات عملية واقعية، بدلًا من أن يظل مجرد فكرة تبعث على الطمأنينة.

فقد يقرّر الشخص الذي يدرك أن المهمة أصبحت مرهقة تخفيف المتطلبات الفورية، بدلًا من الإصرار على ضرورة إنجاز المسؤولية بأكملها دفعة واحدة.

ولا يعني ذلك خفض جميع المعايير أو تجنّب العمل الصعب، بل التفكير في كيفية التعامل مع المهمة بطريقة تراعي أهميتها والموارد المتاحة للشخص.

فعلى سبيل المثال، بدلًا من مطالبة النفس بإنهاء تقرير غير مكتمل فورًا، قد يبدأ الشخص بفتح المستند أو كتابة العنوان أو صياغة الجملة الأولى.

وقد يساعد تقسيم المهمة إلى أجزاء أصغر على تقليل الغموض وتسهيل تحديد الخطوة الأولى.

ويختلف هذا الأسلوب السلوكي عن التعاطف مع الذات نفسه، لكنهما قد يكمل أحدهما الآخر. فالتعاطف يساعد على تقليل الأحكام غير الضرورية على الذات، بينما توفّر الخطوة الأولى القابلة للتنفيذ طريقة عملية للعودة إلى المسؤولية.

وقد تدعم التعديلات البيئية هذه العملية أيضًا. فقد يساعد تقليل الإشعارات غير الضرورية، أو تجهيز المواد المطلوبة، أو اختيار مساحة عمل أقل تشتيتًا، على تسهيل توجيه الانتباه نحو المهمة.

كما يجد بعض الأشخاص فائدة في المكافآت الصغيرة، مثل أخذ استراحة ممتعة بعد إنجاز جزء محدد من العمل.

وهذه استراتيجيات عملية، وليست علاجات ثبتت فاعليتها بصورة شاملة للتسويف المزمن. وتعتمد فائدتها على الشخص والظروف المحيطة به.

ومن المهم أن يعترف النهج القائم على التعاطف بأن صعوبة البدء لا تعكس دائمًا تجنّبًا عاطفيًا.

فقد يؤثر الإرهاق أو غموض التعليمات أو تزاحم المسؤوليات أو القيود المرتبطة بالانتباه والوظائف التنفيذية في القدرة على البدء بالمهام.

وفي مثل هذه الحالات، قد تتمثل الاستجابة المناسبة في الراحة، أو الحصول على معلومات أوضح، أو توفير موارد إضافية، أو طلب الدعم، بدلًا من الاكتفاء بتشجيع الشخص على بذل جهد أكبر.

وتكمن قيمة اتخاذ خطوات عملية بتعاطف في الجمع بين الفهم العاطفي وحسن التقدير العملي.

فهذا النهج يسمح للشخص بالاعتراف بأن البدء قد يكون صعبًا، دون اشتراط اختفاء الصعوبة قبل اتخاذ أي خطوة.

التعاطف مع الذات وتحمّل المسؤولية: بناء استجابة أكثر استدامة للتعثر

لا يعني تطوير استجابة أكثر صحة للتسويف توقّع ألّا يحدث التأجيل مرة أخرى.

فالمسؤوليات تتغيّر، وقد تظهر متطلبات غير متوقعة، وقد تظل أنماط التجنّب المألوفة صعبة التغيير، ولا سيما خلال الفترات الضاغطة.

وعندما يحدث تعثّر، فقد تؤثر الطريقة التي نفسّره بها في ما إذا كنا سنقترب من المهمة التالية بمزيد من التفهّم أو سنعود إلى النقد الذاتي القاسي.

فقد يحتاج الشخص الذي يفوّت موعدًا نهائيًا إلى الاعتراف بالعواقب، والتواصل مع الأشخاص المتأثرين، والتفكير في التعديلات الواقعية الممكنة.

ولا يلغي التعاطف مع الذات هذه المسؤوليات. بل يسمح للشخص بالتعامل معها دون استنتاج أن خطأً واحدًا يحدّد مستوى كفاءته أو قيمته بصورة عامة.

وبالمثل، قد تساعد مسامحة الذات على تقليل الانشغال المفرط بالتأجيل السابق، مع إفساح المجال لتحمّل المسؤولية المناسبة.

ويكتسب هذا التمييز أهمية لأن التسويف المزمن قد يرتبط بعوامل متعددة.

فالقلق والاكتئاب واضطراب نقص الانتباه مع فرط النشاط (ADHD) والإرهاق والعوائق البيئية والظروف الحياتية الصعبة قد تؤثر جميعها في قدرة الشخص على بدء المهام أو إكمالها.

ولا يكفي التسويف وحده لإثبات أي تشخيص نفسي، لكن الصعوبات المستمرة التي تؤثر بصورة كبيرة في التعليم أو العمل أو العلاقات أو الأداء اليومي قد تستدعي تقييمًا متخصصًا أو دعمًا نفسيًا.

ولذلك، فإن تحمّل المسؤولية بتعاطف يتجاوز مجرد استبدال الأفكار الناقدة بأفكار مطمئنة.

فهو يتطلب فهم الظروف المحيطة بالتأجيل، والاعتراف بالعواقب الحقيقية، والتفكير في نوع الاستجابة التي قد تكون مفيدة.

وقد تتضمن هذه الاستجابة أحيانًا اتخاذ خطوة صغيرة قابلة للتنفيذ، بينما قد تتطلب في أحيان أخرى الراحة أو المساعدة العملية أو تعديل التوقعات.

ومع مرور الوقت، قد يساعد هذا النهج على تخفيف العبء العاطفي المرتبط بالعودة إلى المسؤوليات غير المنجزة.

وهو لا يعد بالتخلّص النهائي من التسويف، لكنه يقدّم طريقة للمحافظة على الارتباط بالأهداف الشخصية، دون جعل معاقبة الذات ثمنًا للتقدّم.

الخاتمة: التقدّم يبدأ بتحمّل المسؤولية والتعاطف مع الذات

قد يصبح التسويف أكثر صعوبة عندما يتبع تأجيل المهمة شعور مستمر بالذنب أو الخجل أو النقد الذاتي القاسي.

وعلى الرغم من أن هذه الاستجابات قد تعكس اهتمامًا حقيقيًا بالمسؤوليات غير المنجزة، فإنها قد تزيد أيضًا الانزعاج العاطفي المرتبط بالعودة إلى العمل.

ويقدّم التعاطف مع الذات استجابة مختلفة، لأنه يسمح للأشخاص بالاعتراف بالأخطاء وعواقبها، دون تحويل كل تعثّر إلى حكم على قيمتهم الشخصية.

وتشير الأبحاث المتعلقة بمسامحة الذات والتعاطف معها إلى أن استجاباتنا للتأجيل السابق قد تكون مرتبطة بالطريقة التي نتعامل بها مع المسؤوليات المستقبلية، رغم أن أيًا منهما لا يضمن تغيير السلوك.

وقد يتضمن التقدّم الفعلي اتخاذ خطوات قابلة للتنفيذ، ووضع توقعات واقعية، وتوفير بيئات داعمة، والحصول على المساعدة المناسبة عندما تستمر الصعوبات.

ولا تكمن قيمة التعاطف في إلغاء المسؤولية، بل في إفساح المجال لتحمّلها دون عقاب عاطفي غير ضروري.

وفي نهاية المطاف، يتطلب بناء علاقة أكثر بنائية مع التسويف أن نتعلّم أخذ أهدافنا على محمل الجد، مع التعامل مع أنفسنا بتفهّم عندما نواجه صعوبة. فالمسؤولية الشخصية واللطف مع الذات ليسا مطلبين متعارضين، بل قد يساعدان معًا على التعامل مع التعثر بمزيد من الوضوح والمرونة والصبر.

مقالات ذات صلة

شارك بالتعليق

لن يتم نشر بريدك الالكتروني. الخانة المشار إليها مطلوبة *

يرجى ملاحظة أنه يجب الموافقة على التعليقات قبل نشرها