التغذية الحدسية: كيف نبني علاقة ألطف مع الطعام؟
مسار السعادة السادس: الصحة والحيوية

التغذية الحدسية: كيف نبني علاقة ألطف مع الطعام؟

مدة القراءة التقديرية: ٩ دقائق

في هذا المقال

  • معنى التغذية الحدسية وما تقوله الأبحاث عنها.
  • فهم الجوع والشبع والجمع بين الاستمتاع بالطعام والاهتمام بالتغذية.
  • تطبيقات في الحياة اليومية، ومتى تحتاج إلى مساعدة مختص.

مقدمة

قد يصبح اختيار الطعام مرهقًا حين تنشغل طوال الوقت بما ينبغي أن تأكله، وبالكمية التي تناولتها، وبما إذا كنت قد التزمت بقواعدك الغذائية. وربما تشعر بالذنب بعد وجبة استمتعت بها، أو تؤجل الأكل رغم حاجتك إليه لأن موعده لا يوافق خطتك. عندها تبدو فكرة الانتباه إلى الجوع والشبع مريحة، لكنها قد تثير أسئلة أيضًا: هل تعني التغذية الحدسية أن نتبع كل رغبة؟ وهل تتعارض مع التخطيط للوجبات أو الالتزام بالتوصيات الطبية؟ يساعد فهم هذا النهج على الإجابة عن هذه الأسئلة، مع مراعاة الوقت والميزانية والصحة والظروف التي نعيش فيها. فالاهتمام بالطعام يشمل ما يحتاجه الجسد وما نستمتع به وما نستطيع توفيره في يومنا.

ما المقصود بالتغذية الحدسية؟

طوّرت اختصاصيتا التغذية إيفلين تريبول وإليز ريش هذا النهج للاهتمام بإشارات الجوع والشبع والتعامل بمرونة أكبر مع الطعام والجسد. يشمل ذلك الاستمتاع بالوجبات، واحترام احتياجات الجسد، والاستفادة من المعرفة الغذائية دون لوم النفس عند كل اختيار. ولا يعد بالوصول إلى وزن محدد، ولا يفترض أن جميع الأطعمة متشابهة في قيمتها الغذائية. يمكنك أن تختار طعامًا تحبه، وتراعي حالتك الصحية، وتجهّز وجبة ليوم مزدحم في الوقت نفسه. ما يجمع هذه الاختيارات هو مساعدتك على تناول ما تحتاج إليه بطريقة تستطيع الاستمرار بها. وقد يتطلب ذلك مراجعة بعض القواعد التي اعتدت اتباعها، خصوصًا إذا كانت تزيد قلقك أو تصعّب حصولك على غذاء كافٍ.

ولا يعني الانتباه إلى الجسد أن تعرف بدقة ما يحتاجه في كل لحظة. قد تلاحظ فراغًا في المعدة، أو تدرك أن وقتًا طويلًا مضى منذ آخر وجبة، أو تقرر الأكل قبل اجتماع لن تتاح خلاله استراحة. تساعدك هذه المعلومات على اتخاذ قرار يناسبك، ولا يلزم أن تشعر بجوع شديد حتى تتناول الطعام. وإذا أصبحت تحاول تحديد اللحظة المثالية لبدء الأكل والتوقف عنه في كل مرة، فقد يتحول الانتباه إلى مراقبة مرهقة. يمكنك أن تتعلم ملاحظة الجوع والشبع تدريجيًا، مع الاستفادة من مواعيد الوجبات وخبرتك بيومك. ويظل تعديل خططك أمرًا طبيعيًا حين تتغير احتياجاتك أو ظروفك.

ماذا تقول الأبحاث عن التغذية الحدسية؟

وجد تحليل تلوي أجراه ليناردون وزملاؤه عام ٢٠٢١ ارتباطًا بين التغذية الحدسية وصورة أكثر إيجابية عن الجسد، وتقدير أعلى للذات، ورفاه نفسي أفضل، وصعوبات أقل تتعلق بالأكل. لكن معظم الدراسات قاست المشاركين في نقطة زمنية واحدة، ولذلك لا تثبت أن التغذية الحدسية هي التي أحدثت هذه الفروق. وتناولت مراجعة لبابوت وزملائه عددًا محدودًا نسبيًا من دراسات البرامج التي تعلّم هذا النهج. تشير النتائج إلى فوائد محتملة تستحق مزيدًا من البحث، مع بقاء أسئلة حول استمرارها على المدى الطويل ومن يستفيد منها. لذلك يمكن النظر إلى التغذية الحدسية بوصفها نهجًا قد يساعد بعض الناس، مع تجنب الوعود بنتيجة واحدة للجميع.

ومن المفيد التمييز بين أنواع النتائج التي تعرضها الدراسات. فتحسن الدرجة على استبيان للتغذية الحدسية لا يعني تلقائيًا تحسن كل جانب من التغذية أو الصحة الجسدية. كذلك قد توضح تجربة شخصية كيف استفاد صاحبها، لكنها لا تكفي لمعرفة ما سيحدث لدى شخص آخر تختلف احتياجاته وظروفه. عند قراءة نصيحة أو وعد كبير، اسأل عمّا قاسه البحث، ومن شارك فيه، ومدة المتابعة. تساعد هذه الأسئلة على فهم الفوائد المحتملة وحدود ما نعرفه عنها. ويمكنك تقييم أي تغيير من خلال ما يقدمه لك فعلًا، مثل تخفيف القلق حول الوجبات أو تسهيل الانتظام فيها، بدل توقع تحسن شامل بمجرد تبني النهج.

إشارات الجوع تساعدنا على فهم احتياجاتنا

يسهل على بعض الناس تمييز الجوع والشبع، بينما يجد آخرون صعوبة في ملاحظتهما أو وصفهما. وقد تحتاج إلى وقت ودعم لتتعرف إلى ما يناسبك، خصوصًا إذا اعتدت تجاهل الجوع أو تأخير الوجبات. يمكنك البدء بأسئلة عملية: متى أكلت آخر مرة؟ وهل ستتاح لك فرصة للأكل لاحقًا؟ وهل يتركك تنظيم يومك متعبًا أو منشغلًا بالطعام؟ قد يفيد تناول وجبات منتظمة حتى حين يصعب عليك تحديد إحساس واضح بالجوع. ولا يلزم أن تفهم كل إشارة قبل أن تهتم بحصولك على طعام كافٍ. وإذا كنت تتبع خطة علاجية، فاعتمد توجيهات المختص الذي يعرف حالتك عند تنظيم وجباتك.

تخيّل شخصًا تفوته وجبة الغداء باستمرار لانشغاله بالعمل، ثم يصل إلى المساء جائعًا جدًا ويجد صعوبة في تناول وجبته بهدوء. لفهم ما يحدث، من المفيد النظر إلى يومه وإمكانية حصوله على الطعام خلاله. قد يساعده أن يأخذ معه وجبة من المنزل، أو يخصص وقتًا للغداء خلال يوم العمل، أو يتفق مع أسرته على تقاسم إعداد الوجبات. ويمكنه تجربة أحد هذه الترتيبات وملاحظة ما إذا كان يسهل عليه الانتظام في الأكل. وإذا لم يكن مناسبًا، فقد يحتاج إلى خيار أبسط أو إلى مساعدة مختلفة. يوضح هذا المثال كيف يمكن لتعديل ظروف اليوم أن يساعد في التعامل مع صعوبة تتكرر، دون افتراض أنه يفسر جميع مشكلات الأكل.

يساعدنا التخطيط المسبق على تناول وجباتنا بانتظام، مع مراعاة إشارات الجوع والشبع. ويمكن أن نبدأ بتجهيز وجبة بسيطة للأيام المزدحمة، أو تخصيص وقت للغداء خلال العمل. وقد نأكل مع الأسرة في وقت يناسب الجميع، أو نتناول وجبة قبل رحلة طويلة، حتى لو لم نشعر بجوع واضح في تلك اللحظة. يبقى التخطيط مفيدًا ما دام قابلًا للتعديل ويساعدنا على الحصول على الطعام الذي نحتاجه. وإذا تغير موعد أو تعذّر إعداد وجبة، يمكن اختيار بديل مناسب للإمكانات المتاحة. وتختلف الترتيبات التي تنجح مع شخص يعمل في المنزل عن تلك التي يحتاجها من يعمل بنظام المناوبات أو يرعى أطفالًا.

كيف نجمع بين الاستمتاع بالطعام والاهتمام بالتغذية؟

الطعام مصدر للتغذية والمتعة، ويرتبط أيضًا بذكرياتنا ولقاءاتنا مع من نحب. والاستمتاع بطبق نحبه لا يعني أن علينا تفويت الوجبة التالية أو ممارسة الرياضة للتعويض عمّا أكلناه. ويمكننا، في الوقت نفسه، الاهتمام بالقيمة الغذائية واختيار وجبات تلبي احتياجاتنا. قد يساعدك أن تفكر فيما يجعل الوجبة مشبعة وممتعة، وما تستطيع إضافته إليها أو تغييره فيها بحسب ذوقك وإمكاناتك. وقد تتنوع اختياراتك بين أكلات منزلية وأطباق تقليدية وطعام جاهز في الأيام المزدحمة. الأهم هو النظر إلى عاداتك الغذائية على امتداد الوقت، مع إدراك أن الوجبات تختلف بحسب المناسبة والوقت المتاح.

وتبقى الاحتياجات الطبية أساسية عند اختيار الطعام. إذا كانت لديك حساسية غذائية أو داء السيلياك، أو حالة صحية تستلزم نظامًا غذائيًا خاصًا، فمن المهم الالتزام بالتوصيات الطبية. وإذا أصبحت هذه المتطلبات مصدر ارتباك أو خوف، يستطيع اختصاصي تغذية مؤهل مساعدتك على فهم الاحتياطات الضرورية ومعرفة ما إذا كانت هناك قيود إضافية لا تحتاج إليها. يمكنك الاستفادة من إرشاداته، مع الانتباه إلى إشارات الجوع والشبع وما تفضّله من أطعمة. ومن المفيد أن تخبره أيضًا بما يمكنك شراؤه وإعداده، وبمواعيد العمل والوجبات في منزلك. يساعده ذلك على اقتراح ترتيبات تناسب حالتك الصحية وظروفك اليومية معًا.

فهم الأكل العاطفي دون إطلاق أحكام على أنفسنا

قد يمنحنا الطعام راحة في يوم صعب، وقد يجتمع الجوع مع الحزن أو التوتر. لذلك لا يكفي وجود شعور مزعج للاستنتاج بأنك لا تحتاج إلى الطعام. يمكن أن تسأل نفسك عمّا تحتاجه الآن: وجبة، أم صحبة، أم راحة، أم مساعدة في مهمة مرهقة، أم أكثر من ذلك معًا؟ تساعدك الإجابة على فهم احتياجاتك، ولا يلزم أن تؤخر الأكل حتى تصل إلى تفسير واضح لمشاعرك. وإذا وجدت أنك تعتمد على الطعام وحده للتخفيف من الضيق، ففكر في وسائل أخرى للمساندة أيضًا. قد يفيد الحديث مع شخص ترتاح إليه، أو طلب مساعدة، أو تخفيف بعض المسؤوليات، إلى جانب الاهتمام بتغذيتك.

وإذا رغبت في ملاحظة العلاقة بين مشاعرك وأكلك، فليكن ذلك لفترة قصيرة وبطريقة لا تزيد انشغالك. يمكنك التفكير فيما كان يحدث قبل الوجبة وكيف شعرت بعدها، دون الحاجة إلى تسجيل كل كمية أو تحليل كل لقمة. وإذا زادت هذه الملاحظة قلقك، فتوقف عنها وناقش الصعوبة مع مختص. أما تكرار الشعور بفقدان السيطرة على الأكل، أو محاولة التعويض عنه، أو تقييده بشدة، فيستحق تقييمًا مهنيًا. لا تكفي قراءة وصف عام لمعرفة سبب ما تمر به أو تحديد العلاج المناسب. يمكن للمختص أن يساعدك على فهم التجربة ووضع خطة تناسب احتياجاتك.

متى تحتاج إلى مساعدة مختص؟

لا تُقدَّم التغذية الحدسية بديلًا مستقلًا عن علاج اضطرابات الأكل. توضح إرشادات هيئة الخدمات الصحية الوطنية البريطانية بشأن اضطراب نهم الطعام أن الرعاية قد تتضمن مساعدة ذاتية بإشراف مختص وعلاجًا معرفيًا سلوكيًا، ومن عناصرها تنظيم الوجبات والوجبات الخفيفة خلال اليوم. وهذا يوضح لماذا قد تكون نصيحة «انتظر الجوع واتبع شهيتك» غير كافية لمن يحتاج إلى خطة علاجية فردية. يستطيع مختص ذو خبرة باضطرابات الأكل تحديد ما يناسب الحالة من ممارسات وتوقيت استخدامها. وقد يكون تنظيم الوجبات والتأكد من كفاية الغذاء جزءًا أساسيًا من العمل قبل التركيز على تفسير إشارات الجوع والشبع.

ويمكنك طلب المساعدة قبل أن تتفاقم الصعوبة. فالقلق المتكرر من الوجبات، أو الانشغال بقواعد غذائية تستحوذ على يومك، أو تجنب الأكل مع الآخرين أمور يمكنك مناقشتها مع مختص. اشرح ما يحدث في المواقف التي تتكرر، وكيف يؤثر في حياتك، وما الذي جربته حتى الآن. وإذا كنت تتلقى رعاية بالفعل، فناقش أي تغيير مع الفريق الذي يتابعك لتعرف كيف ينسجم مع خطتك. ومن حقك أن تسأل عن هدف التوصيات وكيف ستراجعون مدى فائدتها. لا تحتاج إلى التعامل مع هذه الصعوبات وحدك أو الانتظار حتى تصبح أشد كي تطلب الدعم.

كيف تطبّق التغذية الحدسية في حياتك اليومية؟

ابدأ بموقف يتكرر ويجعل الأكل أصعب عليك. إذا كانت وجبة الصباح تفوتك بسبب العجلة، فقد يفيد تجهيزها مساءً أو اختيار طعام يسهل أخذه معك. وإذا كانت الوجبات العائلية تتخللها تعليقات على الأجساد، يمكنك القول: «أفضل أن نستمتع بالأكل دون الحديث عن وزن أحد». اختر ما يناسب المشكلة التي تواجهها، ثم لاحظ ما إذا كان التغيير يساعدك في المرات التالية. قد تحتاج إلى تبسيطه أو تعديله، أو إلى مشاركة شخص آخر في تنفيذه. بهذه الطريقة يرتبط ما تجرّبه بموقف واضح تستطيع التعامل معه، بدل محاولة تغيير جميع عاداتك دفعة واحدة.

وفي وجبة مألوفة، يمكنك أن تنتبه إلى الطعم وإلى ما إذا كنت تستمتع بما تأكله أو ترغب في شيء آخر معه. وقد تلاحظ أنك ما زلت جائعًا أو أنك تشعر بالشبع، دون أن تحتاج إلى قياس ذلك بدقة. ليس مطلوبًا تكرار هذه الملاحظة في كل وجبة أو توفير أجواء مثالية للأكل. فمن يعمل بنظام المناوبات أو يرعى أطفالًا أو يجد صعوبة في شراء الطعام قد يحتاج أولًا إلى تأمين الوجبات وتنظيم مواعيدها. اجعل ما تجرّبه مناسبًا لوقتك وإمكاناتك، واترك أي تمرين يزيد قلقك أو يثقل يومك. ويمكنك الاستعانة بمختص إذا احتجت إلى معرفة الطريقة الأنسب لحالتك.

كيف تلاحظ تحسّن علاقتك بالطعام؟

قد تشعر بقلق أقل عند اختيار طعامك، أو تجد أن تنظيم وجباتك في الأيام المزدحمة أصبح أسهل. وقد تصبح أكثر استعدادًا لطلب المساعدة عندما تحتاج إليها. هذه تغيرات محتملة تختلف من شخص إلى آخر، وقد تظل بعض المواقف أصعب من غيرها. من المفيد متابعة التغيّر في عاداتك الغذائية مع مرور الوقت، بدلًا من تقييم نفسك بعد كل وجبة. اسأل إن كنت تحصل على ما تحتاجه من طعام، وإن كان تنظيم وجباتك أصبح أسهل وأكثر مرونة. وإذا زاد انشغالك بالأكل أو قلقك منه، فقد تحتاج إلى تعديل ما تفعله أو مناقشته مع مختص.

لا يلزم أن تفهم إشارات الجوع والشبع بدقة في كل مرة حتى تتحسن علاقتك بالطعام. فمواعيد العمل والعادات العائلية والاحتياجات الصحية والميزانية تؤثر جميعها في طريقة أكلك، ومن الطبيعي أن تراعيها عند التخطيط لوجباتك. يمكنك البدء بتخصيص وقت للغداء خلال يوم العمل، أو تجهيز وجبة مسبقًا، أو استشارة اختصاصي تغذية إذا احتجت إلى مساعدة. اختر ما يعالج الصعوبة التي تواجهها الآن، ثم عدّله وفقًا لما تتعلمه من التجربة. الهدف أن يصبح تناول الطعام وتلبية احتياجاتك أسهل، وأن تتمكن من الاستمتاع بوجباتك بقلق أقل.

قراءة مرتبطة بالمقال

من الكتب المتاحة في متجرنا: How to Raise an Intuitive Eater: Raising the Next Generation with Food and Body Confidence.

اقرأ أيضًا: العصائر الطبيعية - أشهرها وأهم فوائدها.

مصادر المقال

مقالات ذات صلة

شارك بالتعليق

لن يتم نشر بريدك الالكتروني. الخانة المشار إليها مطلوبة *

يرجى ملاحظة أنه يجب الموافقة على التعليقات قبل نشرها